-->
مفاهيم تربوية حديثة: التعليم الشخصي
الكاتب : د. حاتم علي العايدي |تاريخ النشر : 2015-01-21|عدد القراءات : 1924
  • يمر مشهد التعليم العالي بتغيرات كبيرة نتيجة الابتكارات التكنولوجية المتلاحقة، وكما نشهد تغييرات في الطريقة التي تتم بها عملية التدريس وفي طريقة تعلم الطلاب. فعلي الرغم من استمرار كون قاعة المحاضرات المنصة التقليدية والقاعدة الراسخة لأنظمة التعليم العالي، إلا أنه يتم تعزيز ذلك من خلال أدوات وأساليب تربوية جديدة متكاملة ، ويستكمل ذلك بالعديد من فرص التعلم عبر الانترنت ومجموعة أكبر متنوعة من مقدمي خدمات التعليم العالي.

    هذه التقنيات والمناهج الجديدة في التعليم أحدثت بالفعل تأثيراً واضحاً وإيجابياً في برامج التعليم العالي، مما أدى إلى توفر وإتاحة موارد التعلم عبر العالم مجاناً وتوظيف الوسائط التفاعلية التعلمية بكفاءة أعلى، وانعكس ذلك بتوفير جودة تعلم وتعليم أفضل سواء لبرامج التعليم عبر الانترنت أو داخل الحرم الجامعي.

    يمكن تصميم طرق التدريس بشكل أفضل لتناسب احتياجات الطلاب الفردية والتقدم في التحليلات وتزويد الطلبة بتغذية راجعة بشكل أسرع حول أداءهم.

    هناك إمكانات هائلة لتوسيع فرص الحصول على التعليم العالي وزيادة التنوع في الجسم الطلابي. وتوفر تقنيات الانترنت فرص للتعلم في أي مكان، في أي وقت ومن أي جهة، هذه المرونة ضرورة للمتعلمين غير التقليديين وقد أحدثت تغيير في تفاعل مؤسسات التعليم العالي في مجال التعلم مدى الحياة والتطوير المهني المستمر. هذا يوفر أداة هامة للحكومات لضمان تنوع برامج أنظمة التعليم العالي لتلبية احتياجات جميع المتعلمين، كما يوفر منصة للوصول إلى الأسواق الدولية ويكمل التطورات الحالية في مجال التعليم عبر الحدود.

    وأخيراً، يمكن للتكنولوجيات الجديدة تسهيل التعاون وتطوير شراكات لزيادة التحصيل الدراسي في دول الاقتصاديات الناشئة. وعلى المستوى المحلي، يمكن للتكنولوجيا أن تدعم المجهود الوطني في تعزيز الشراكة والتعاون بين المؤسسات الوطنية بالجمع بين الخبرة وتقديم تعليم عالٍ بتقنية متطورة.

     

    ويشير مصطلح التعلم الشخصي إلى مجموعة متنوعة من البرامج التعليمية ، وخبرات التعلم، ونهج تعليمية، واستراتيجيات دعم أكاديمية ترمي إلى تلبية احتياجات تعلم محددة، ومصالح، وتطلعات، أو خلفيات ثقافية للطلاب بشكل فردى. ويعتبر التعلم الشخصي في العموم بديل لما يسمى نهج "حجم واحد يناسب الجميع" للتعليم الدراسي حيث يقوم المدرسين في مساق معين، على سبيل المثال، بتزويد جميع الطلاب بنفس النوع من التعليمات وتعيين نفس المهام والقيام بنفس التقييم مع القليل من التغيير أو التعديل من طالب إلى طالب. ويمكن أيضا أن يسمى التعلم الشخصي بالتعلم المتمحور حول الطالب، نظراً لأن الهدف العام جعل حاجات التعلم الفردية لتكون الاعتبار الرئيسي في القرارات التربوية والتعليمية الهامة، بدلاً من الطرق التقليدية والتي قد تكون أكثر تفضيلاً، وأكثر ملائمة، أو لوجستيا أسهل للمدرسين والجامعات.

    أصبح مصطلح  التعلم الشخصي (وما يتصل به من مرادفات) يستخدم على نطاق واسع في المؤسسات على شبكة الإنترنت وشركات بيع برامج التعلم عبر الإنترنت. وفي بعض الأحيان، يمكن أن يطلق على التعلم الشخصي مسمى  "التعلم المدمج"، أو ممارسة استخدام خبرات التعلم على الإنترنت والتعلم في قاعات التدريس.

    يهدف التعلم الشخصي إلى تسهيل النجاح الأكاديمي لكل طالب أولاُ بتحديد احتياجات التعلم ومصالح وتطلعات الطلاب الفردية ومن ثم توفير خبرات التعلم التي يتم تخصيصها – بدرجة أكبر أو أقل – لكل طالب. ولتحقيق هذا الهدف، يوظف المدرسين، والجامعات مجموعة متنوعة وواسعة من الأساليب التعليمية، باستثمار العلاقة القوية بين الطلاب والمدرسين  من أجل تعديل مهام واستراتيجيات التدريس في الفصول الدراسية لتشمل إعادة تصميم الطرق التي يتم خلالها توزيع وتدريس الطلاب.

    ستساعد الأمثلة التمثيلية التالية على توضيح بعض المفاهيم حول مصطلح التعليم الشخصي:

    • إعادة تشكيل الهيكل التشغيلي والتعليمي للمحاضرة ذات أعداد كبيرة حيث يتم تقسيم الطلاب إلى مجموعات أصغر ويتم تعيينهم لفريق ثابت من المدرسين الذين يتمكنوا من التعرف على الطلاب وعلى احتياجاتهم التعليمية. بينما تأخذ هذه الإستراتيجية مجموعة متنوعة وواسعة من النماذج من جامعة إلى أخرى، فإن عدد قليل من النهج والطرق الأكثر شيوعاً مثل  "مجتمعات التعلم الصغيرة،" و"بناء فريق واحد، وبناء مجموعات أكاديميات قائمة على أساس عنوان،" أو "المدارس داخل المدرسة" – عبارة عن نهج ينطوي على إنشاء برامج أكاديمية متميزة، أو "مدارس"، داخل الهيكل التنفيذي للجامعة الكبيرة.
    • القضاء على الممارسة المتمثلة في تجميع الطلاب في مسارات أكاديمية أو مستويات متدرجة استناداً إلى قدراتهم المعروفة  أو أداءهم الأكاديمي السابق – و تؤدي هذه الممارسة إلى "مجموعة غير متجانسة" أو "تجميع قدرات مختلطة،" من  الطلبة المسجلين في نفس البرنامج أو المساق بمستويات وقدرات مختلفة. وكذلك الحال في سائر البيئات التعليمية، قد يستخدم المدرسون مجموعة متنوعة من استراتيجيات الدعم التعليمية والتعليمات الشخصية والتي تسمى عموما بالتمايز ، التعلم المتباين، أو وسائل تعليمية مختلفة.
    • يمكن أن تقدم الجامعات  مجموعة متنوعة من مسارات التعلم من أجل خدمة الطلبة— بتقديم تشكيلة أوسع ومتنوعة من الخبرات التعليمية. وتتضمن الأمثلة الشائعة: (أ)  تقديم تدريب مهني وعملي يسمح للطلاب بتلبية متطلبات التخرج من البرنامج، أو تلبية متطلبات ومعايير الدولة اللازمة لمزاولة المهنة؛ (ب) السماح للطلاب بالتسجيل المزدوج  لدراسة مساقات إضافية في مؤسسات بديلة، مثل كليات أو جامعات وطنية أو دولية، في نفس الوقت الذي يقوم فيه الطالب بدراسة مساقات أو ساعات معتمدة في جامعته، (ج)  القيام بمشاريع دراسية مستقلة  تسمح للطلبة بتصميم خبرات تعلم ذاتية بالتعاون مع مدرس، أو مرشد, أو مستشار.
    • يمكن للطلاب من بناء والحفاظ على: (أ) خطط تعلم شخصية ، والتي تصف أهدافهم الأكاديمية والجماعية والمهنية، حيث تقوم بربط القرارات التعليمية التي يحتاجوا لإتخاذهن من أجل تحقيق أهدافهم، (ب) حقائب الإنجاز والتي  تعتبر سجلات تراكمية للعمل الأكاديمي للطالب وإنجازاته. قد يستخدم المدرسين والمستشارين والمتخصصين في التربية هذه الخطط والحقائب لتحسين طرق تعليم الطلبة ودعمهم بشكل محدد.
    • استبدال فترات الفراغ بين المحاضرات أو أوقات الدراسة التقليدية في القاعات  الدراسية بالالتقاء مع المرشدين—  تخصيص جزء من وقت اليوم الدراسي للالتقاء مع للمدرسين على شكل مجموعات صغيرة من الطلاب وتقديم المشورة لهم بشأن القضايا الأكاديمية والاجتماعية، والتخطيط لمسارهم الوظيفي. ويمكن إقران الطلاب مع مستشارين، أو موجهين يجتمعوا بالطلاب بانتظام على مدى عدة أشهر، سنة، أو عدة سنوات لمساعدتهم على التأقلم مع البيئة الجامعية، واستكشاف الخيارات التعليمية ، أو التخطيط لمتابعة دراستهم العليا أو مستقبلهم المهني.
    • استخدام نهج وأساليب تعليمية بديلة – مثل التعلم المدمج، والتعلم القائم على المجتمع، التعلم الخدمي، أو التعلم القائم على المشروع، ... – التي قد تعطي الطلاب مرونة أكبر في اختيار طريقة  تعليمهم، بالإضافة لمزيد من الفرص لتحقيق خبرات تعلم تعكس رغباتهم الشخصية، وطموحاتهم المهنية، أو تراثهم الثقافي. علاوة على ذلك، يجري وبشكل متزايد استخدام مجموعة متنوعة من خيارات التعلم الرقمية والانترنت في التعلم الشخصي للطلاب.

    زيادة مساحة الاختيار والمسؤولية الشخصية للطلاب في العملية التعليمية بإضافة مساحة واسعة لسماع صوت الطالب. ويشير مصطلح "صوت الطالب" للقيم والآراء، والمعتقدات، والمنظورات، والخلفيات الثقافية للطلاب سواء بشكل فردي أو على شكل مجموعات، وبالإضافة إلى النهج والتقنيات التعليمية التي تعتمد على اختيار ومصالح ومشاعر وطموحات الطالب. وكبديل للنماذج التقليدية في التدريس والتي قد يتخذ المدرسين قرارات انفرادية بدون الرجوع لرأي الطالب، يتم تقديم نموذج يأخذ بشكل كبير بصوت الطالب في عملية التعلم في الطريق إلى التعلم الشخصي.

    pdf