-->
التدريب الالكتروني وتنمية رأس المال الفكري
الكاتب : أ. فراس محمد عودة|تاريخ النشر : 2014-12-07|عدد القراءات : 1347
  • نحن نعيش ثورة انتشار المعرفة, فالمعلومة لم تعد حكراً على أحد .. ولم يعد الوصول لها أمراً معقدا، فالتطورات التي تشهدها الساحة العلمية أحدثت تقدما مذهلا في مجال  تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فنقلت العالم  نقلة نوعية كان لها الأثر الكبير على العملية التعليمية، دون التقيد بالحدود سواء كانت ثقافية، جغرافية، إجتماعية، أو إقتصادية.

    هذا التطور والإنفتاح كان له آثار إيجابية أدت إلى زيادة الإهتمام بتأهيل وتطوير أداء العاملين والإرتقاء بأدائهم للحفاظ على رأس المال الفكري الذي يعد حجر الزاوية في المؤسسات، ليتمكن من مواكبة هذه الأمواج المتلاطمة من التطورات التي أنتجت الإختراعات والإبتكارات التي تظهر كل ثانية؟

    وفي الآونة الأخيرة امتد الإهتمام إلى المؤسسات التعليمية – إيماناً من أصحاب القرار بأهمية الدور الرائد الذي تقدمه هذه المؤسسات لبناء المجتمع– وذلك بسبب زيادة أعداد العاملين، وإختلاف ثقافاتهم، وسياسات التقشف للمصروفات، دون أن نغفل عن أحقية جميع العاملين في الحصول على فرصة للتعلم والتدرب على كل ما هو جديد ليتمكن العاملون من الإستمرار بالقيام بمهامهم الإدارية. فالتدريب يعمل على تنمية وتطوير قدراتهم على الإنتاج والعطاء.

    ومن هنا برزت الحاجة إلى قيام المسئولين عن مراكز تنمية وتدريب الموارد البشرية بأدوارهم، انطلاقا من التغيير السريع في كل المجالات وعلى رأسها تقنيات وأساليب التعليم والتدريب، والإنتقال من الطرق القديمة للتدريب إلى طرق أكثر حداثة تستثمر الثورة التكنولوجية، وتلبي حاجة العاملين للتطور المهني، وتطبق سياسات الإدارات العليا، وتحقق أهدافها.

    لذلك أصبحت الشركات العالمية، والمؤسسات التربوية، تتنافس في إقحام أنماط "التدريب الإلكتروني" من خلال تقديم البرامج التدريبية والتعليمية عبر وسائط إلكترونية متنوعة تشمل الأقراص المدمجة، وشبكة الإنترنت بأسلوب متزامن أو غير متزامن، وإعتماد مبدأ التدرب الذاتي.

    مفهوم التدريب الإلكتروني:

    قدم عدد من المختصين مفهوم التدريب الإلكتروني من زوايا عديدة ، حيث تناول البعض التدريب الإلكتروني من خلال كونه "عملية يتم فيها تهيئة بيئة تفاعلية غنية بالتطبيقات المعتمدة على تقنية الحاسب الآلي وشبكاته ووسائطه المتعددة، التي تُمكن المتدرب من بلوغ أهداف العملية التدريبية من خلال تفاعله مع مصادرها، وذلك في أقصر وقت ممكن، وبأعلى مستويات الجودة من دون تقيد بحدود المكان والزمان" . كما ينظر البعض إلى التدريب الإلكتروني من زاوية المحتوى التدريبي فيراه "عملية تدريبية تهدف إلى تقديم المحتوى التدريبي من خلال أي وسيط من آليات الإتصال الحديثة من أجهزة حاسوب وشبكة الإنترنت لتخــطي المسافة الجغرافية بين المتدرب و المدرب ، فهو التدريب الذي يختار فيه المتدرب من يتدرب و من يدرب و أين يتدرب و ماذا يتدرب ضمن حدود ممكنة". أما من أهتم بمضمون البرامج التي  يقدمها التدريب الإلكتروني فيرى أنه "تقديم البرامج التدريبية التعليمية عبر وسائط إلكترونية متنوعة تشمل الأقراص المدمجة، وشبكات الإنترنت بأسلوب متزامن أو غير متزامن، إعتماداً على مبدأ التدريب الذاتي أو التدرب بمساعدة مدرب". أما من بحث عن عنصر التفاعل في التدريب الإلكتروني فعرفه بأنه "عملية تدريبية تستخدم التقنيات التكنولوجية لعرض وتقديم الحقائب الإلكترونية أو التفاعل مع المتدربين سواء كان بشكل متزامن أو غير متزامن، بقيادة مدرب أو من دونه، أو من خلال النمطين معا"

    ومن الملاحظ من خلال ما تقدم ذكره أن التدريب الإلكتروني أداة حديثة ومتطورة تسعى إلى إستغلال التكنولوجيا الحديثة لتطوير رأس المال البشري في إطار علمي يحقق رغبات العاملين وتطلعات الإدارات العليا.

    لقد شهد التدريب الإلكتروني تطوراً مذهلاً في أساليبه وطرائقه بسبب التطور في السياسات التربوية الحديثة، كما أن ظهور مفهوم إدارة المعرفة التي تسعى العديد من المؤسسات إلى تطبيقه كان له الأثر الكبير في تطوير آليات وسياسات التدريب الالكتروني.

    ويتمتع التدريب الإلكتروني بعدة سمات فهو يتجاوز عاملي الزمان والمكان، إذ لاتوجد ضرورة لتواجد المدرب والمتدربين في نفس المكان والزمان. كما يتيح لأطراف عملية التدريب التغلب على عوائق التدريب التقليدي المختلفة مثل العوائق المادية والسفر، وما إلى ذلك. ويوفر التدريب الإلكتروني فرصا هائلة لإستثمار التقدم التكنولوجي في مجال التدريب بشكل كبير، مع توفير كبير في الوقت والجهد والنفقات. إضافة إلى أن التدريب الإلكتروني يسمح للمتدربين تكرار أنشطة التدريب حسبما يشاءون دون حرج وبما يتناسب مع قدراتهم حتى يتقنوا المهارات التدريبية المطلوبة.

    ويعتمد التدريب الإلكتروني عددا من المعايير التي تعطيه التميز عن باقي أنواع التدريب، كتنوع المصادر التي يحتويها البرنامج التدريبي في كل نشاط بما يخدم أنماط المتدربين ويثري خبراتهم. كما يحتوي البرنامج التدريبي على وسائط فعالة في شد إنتباه المتدربين وإثارة إهتمامهم, كما يقدم للمتدربين إختبارات قبلية وبعدية تقيس تحسن مهاراتهم ومعارفهم, ويفعّل العمل الجماعي بين المتدربين من خلال تنفيذ الأنشطة الجماعية, كذلك يعتمد على تسلسل عرض المادة العلمية والتفاعل مع الأنشطة وأداء التقييمات بطريقة علمية, بإضافة إلى بناء الأنشطة بشكل يثير التفكير ويتفاعل مع المتدرب ويقدم له التغذية الراجعة.

    عناصر التدريب الإلكتروني :

    يقوم التدريب الإلكتروني على ثلاثة ركائز رئيسية - إتفق عليها المهتمون بهذا الشأن- وصولا إلى تحقيق الأهداف المحددة للعملية التدريبية، وهذه الركائز هي:

    lالمتدرب: عادة يكون الموظف مؤهلا علمياً لدرجة تمكنه من أداء مهام عمله، كما أنه يكتسب خبرة مع الزمن تساعده على التكيف والتأقلم مع المتغيرات المختلفة. إلا أن التطور لايتوقف، ويصاحبه تطور في التقنية و أساليبها وهذا يتطلب ضرورة التزود بالجديد. إن نجاح التدريب يعتمد إلى حد كبير على وجود متدرب مقتنع بأهمية التدريب، وبحاجته إليه، وبوجود متدربين يشتركون في نفس الأهداف والخبرات والمستويات الوظيفية .

    lالمدرب: يختلف دور المدرب في عملية التدريب عن دور المعلم في العملية التعليمة، لذلك فإنه من المهم إختيار المدرب المناسب الذي يجمع بين المؤهل العلمي و الخبرة العملية التي تجعله قادرا على إستخدام أساليب التدريب المتنوعة بما يتفق مع مستوى المتدربين، وطبيعة التدريب، وأهدافه.

    ولإختيار المدرب المناسب لابد من الاهتمام بالمعايير التالية:

    أن تتوفر لديه الرغبة في التدريب والتطوير الذاتي.
    متابعة كل ما هو جديد في مجال عمله.
    القدرة على نسج العلاقات الإجتماعية مع المتدربين وهذا يساعد المدرب على أداء دوره في قاعة التدريب.
    لابد أن يتمتع بالخبرة في مجال التدريب وكذلك في المادة التدريبية التي سيشرف على تدريبها.

     lالمادة التدريبية: على الرغم من إختلاف التدريب عن التعليم في أهدافه و أساليبه، إلا أن هذا الإختلاف لا يعني عدم وجود قراءات وكتب ومراجع أي أسس نظرية يستند عليها المتدرب في عملية التطبيق, إلا أن الفرق هو أن المادة العلمية بالنسبة للتدريب تكون عادة مختصرة ولا يقوم المدرب بشرحها وتفصيلها كما يفعل المعلم، وإنما تكون ضمن محتويات حقيبة التدريب بحيث يرجع إليها المتدرب في الوقت الذي يناسبه. كما أن المادة العلمية تحتوي على تطبيقات وتمارين وحالات دراسية يتم إستخدامها في قاعة التدريب, بعضها يؤديه المتدرب لوحده، وبعضها يؤدى بشكل جماعي من خلال تقسيم المتدربين إلى مجموعات، ويفضل بالنسبة للمادة العلمية أن يسند إعدادها للمدرب الذي سيتولى تنفيذ البرنامج التدريبي، وأن تقيم من قبل مختصين قبل التدريب، وتقيم من قبل المتدربين بعد التدريب. حتى التدريب ذو الصبغة العملية لابد له من أسس ومداخل نظرية، وهذا لا يعني عيبا يؤخذ على عملية التدريب، وإنما يكمن العيب أحيانا في أسلوب المدرب حين يجنح للطرق النظرية كالمحاضرات

    مراحل التدريب الإلكتروني:

    يمر التدريب الإلكتروني, في مسيرته نحو تحقيق الأهداف التي صمم من أجلها, بعدد من المراحل يمكن أن يتم توضيحها كما يلي:

    تحديد الإحتياجات التدريبية: وتنطلق هذه المرحلة من تقدير الإحتياجات الخاصة بالمتدربين، ووضعها على شكل أهداف يتم إقرارها من قبل الإدارة العليا، وذلك إنطلاقا من ضرورة العمل على سد العجز وصقل المهارات للعاملين، وتحديد الأهداف العامة والخاصة للتدريب ووضع السياسات والإجراءات اللازمة لتطوير أداء المتدربين في ضوء الأهداف العامة للمؤسسة.
    التخطيط والإعداد للبرامج التدريبية: ويقصد بها الكيفية التي يتم من خلالها ترجمة السياسات والإستراتيجيات والإجراءات التي تم إقرارها في مرحلة تحديد الإحتياجات التدريبية، ثم التنسيق مع الخبراء من أجل وضع الخطة العامة للبرنامج التدريبي، وجمع محتوى المادة التدريبية، وإختيار أفضل الأساليب ملائمةً للتدريب، وإختيار الأنشطة وأساليب التقويم، ثم يتم الإنتقال إلى التنسيق مع خبراء التدريب للبدء بتصميم البرامج التدريبية الإلكترونية التي تم الإتفاق على محتواها سابقا.
    التنفيذ: وتتضمن هذه المرحلة عدداً من الأنشطة الهامة، تبدأ بتحديد الجدول التنفيذي للبرنامج ، ويتضمن ذلك تحديد مكان التدريب وترتيبه، وإعداد تجهيزاته، والمتابعة اليومية لإجراءات تنفيذ البرنامج خطوة بخطوة، إضافة إلى أساليب التقييم الخاصة بالمتدربين لقياس مدى إستفادتهم من جلسات التدريب للبرنامج الإلكتروني، مما يعطي القائمين على التدريب إشارات واضحة لمدى تحقيق الأهداف العامة للبرامج التدريبي، ومحاولة إدخال أي تعديلات أو إضافات -يتطلبها الموقف التدريبي- تعود بالفائدة على المشاركين في البرنامج التدريبي.
    التقويم: تهتم عملية تقويم التدريب بتحديد الأسس والمعايير التي يمكن من خلالها إجراء التعديلات لتطوير نظام التدريب ورسم خططه المستقبلية، وصولاً إلى تحديد الإجراءات الواجب إتباعها والتي من المحتمل أن تؤدي إلى التغيير الغعال أكثر من غيرها، ويشمل الأسئلة التي يجب أن تطرح عند تنظيم البرنامج التدريبي، قبل (مدخلات)،  وأثناء (عمليات)، وبعد (مخرجات) التدريب. وكذلك تقويم فاعلية البرنامج التدريبي وأثره, والذي يختص بالأسئلة التي يجب أن تطرح ويجاب عليها بعد إنتهاء البرنامج التدريبي وتحديداً حول (المخرجات)، سعياً إلى تدارك الأخطاء السابقة، وتطوير التدريب القادم ليكون أكثر فاعلية ونجاحاً.

    ويأتي إيمان جامعة القدس المفتوحة بالتعليم الإلكتروني في فلسطين والعالم العربي بأهمية تكنولوجيا التعليم في تطوير ونهضة العملية التعليمية في سلم أولوياتها التعليمية، لذلك قامت الجامعة بإفتتاح مركز التعليم المفتوح OLC كأحد المراكز التربوية الفنية، حيث تم إنشاؤه في عام 2008م بهدف نشر وتعميم فلسفة التعلم الإلكتروني والمدمج وممارساتها، ورفع كفاءات العاملين من الطاقم الأكاديمي والإداري والطلبة بما يتوافق مع التطورات المستمرة في تكنولوجيا المعلومات والإتصالات، إضافة إلى تطوير بيئات التعلم والتدريب الإلكتروني، وتطبيق الممارسات التعليمية الجيدة وفق معايير التعلم والتدريب الإلكتروني الفعال.

    pdf